السيد كمال الحيدري
365
اللباب في تفسير الكتاب
مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ثمّ قال : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) ( النساء : 66 65 ) ، ثمّ أردف ذلك بقوله : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) ( النساء : 69 ) لوجدنا أنّ هناك طبقة من المؤمنين وإن وصفوا بالثبات التامّ على العبوديّة ، إلّا أنّهم مع ذلك جعلوا تبعاً لأولئك المنعم عليهم وفى صفّ دون صفّهم ؛ لمكان قوله : ( مع ) وقوله : ( وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) ولم يقل « فأولئك من الذين » . فإذا كان هؤلاء الملحقون بالمنعم عليهم هذا حالهم في الإيمان والإطاعة ، فمن الواضح سيكون نفس المنعم عليهم وهم الأنبياء والصدِّيقون والشهداء والصالحون الذين هم أصحاب الصراط المستقيم ، أعلى قدراً وأرفع درجةً ومنزلة من هؤلاء الذين أُلحقوا بهم ، وهم المؤمنون الذين خلصوا قلوبهم وأعمالهم من الشرك والظلم ، لكن كلّ بحسبه . وعليه فالتدبّر في هذه الآيات يوجب القطع بأنّ هؤلاء المؤمنين وشأنهم هذا الشأن فيهم بقيّة بعد لو تمّت فيهم كانوا من الذين أنعم الله عليهم ، وارتقوا من درجة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم . نعم ، يبقى الكلام في المزيّة التي بها بلغ أصحاب الصراط المستقيم هذه الدرجة دون غيرهم . والجواب لعلّه قائم على أساس أنّ لهم من العلم بمقام ربّهم ما ليس لغيرهم ، إذ قد يكون العمل التامّ موجوداً في بعض الدرجات الأخرى التي دون درجتهم ، فلا يبقى لمزيّتهم إلّا العلم ، وهذا ما جاء في قوله تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) ( المجادلة : 11 ) ، وكذا قوله تعالى : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) ( فاطر : 10 ) ، فالذي يصعد إليه هو الكلم الطيّب ، وهو الاعتقاد والعلم ، وأمّا العمل الصالح فشأنه رفع الكلم الطيّب ، والإمداد دون الصعود إليه .